
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين يتساءل البعض: هل تكون السنة التي يسنّها المرء وينال أجرها كما في حديث "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة..." بالضرورة خاصة به، أي أنه أول من عملها أم هي سنة سبقه إليها غيره وأحياها هو، وهل يُقصد بكلمة "سنة" شيئا محددا من أنواع العبادة؟ وهنا يُمكن التساؤل أيضا: ما هي بعض السنن الحسنة الجديدة في زمننا هذا، مما لم يثبت له سبقٌ عند الأولين؟
يقول العلماء في تفصيل هذه المسألة إنه لا يلزم أن يكون الشخص أول من عمل السنة الحسنة حتى يوصف بأنه "سن سنة حسنة"، بل السنة الحسنة لها أقسام ومنها أن يكون الشخص أول من بادر بإحيائها، والسنة الحسنة هي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنة، أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئاً يسنّه يكون وسيلة لأمر متعبّد به، فهذه ثلاثة أشياء:
الأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل ويدل له سبب الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على التصدق على القوم الذين قدموا عليه صلى الله عليه وسلم، وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق، فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا"، رواه «مسلم»، فهذا الرجل سن سنة ابتداء عمل لا ابتداء شرع. الثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها، فهذا يُقال عنه أنه سنّها، بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده.
الثالث: أن يفعل شيئاً وسيلة لأمر مشروع، مثل بناء المدارس وطبع الكتب، فهذا لا يتعبّد بذاته، ولكن لأنه وسيلة لغيره، فكل هذا داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا"، رواه «مسلم».
إحياء السنن المهجورة ليس من الضرورة أن تكون السنة الحسنة بإنفاق المال، لأن هناك الكثير من السنن التي لا تحتاج إلى مال ولها أجور كبيرة، ومن أعظمها إحياء العمل بالقرآن والسنة وإظهار السنن المهجورة، وأبواب الخير كثيرة ينبغي الحرص على الاستزادة منها، ومن ذلك أيضا كفالة بعض طلبة العلم النابهين وتفريغهم للعلم والدعوة، ومنها افتتاح فضاءات الأنترنت التي لا تعرض فيها إلا المواقع المفيدة، ومنها توزيع كتيبات أو أشرطة أو أسطوانات إسلامية في بعض مناسبات الأفراح أو الأعياد أو قدوم رمضان، عوضا عن بعض ما لا يفيد ولا يحتاجه الناس، ومنها الاجتهاد في تأليف القلوب على الخير والتواصي عليه والدعوة إليه، ومنها مساعدة الشباب والفتيات على الزواج ودعمهم بالمال، ومنها ابتداء الدروس العلمية ودعوة طلبة العلم أو العلماء لفعل ذلك، ومنها أيضا المساعدة في مجال تحفيظ القرآن أو إنشاء موضع لذلك.
المُسارعة إلى الخيرات
أبواب الخير كثيرة جدا، فعن «أبي ذر» رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس"، قيل "يا رسول الله، ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟"، فقال "إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق وتُسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك"، رواه «ابن حبان» وصححه «الألباني».
سبق درهم مائة ألف
كل من أحيا شيئا من السنن المنسية والمهجورة في بلد قد أميتت فيه أو ابتدأ العمل بها في بلد لم يكن يعمل فيه بها فإنه يكون قد سن سنة حسنة، والعبرة ليست بكثرة المال، وقد يسبق قليل المال كثيره عند الله سبحانه وتعالى لصدق الرغبة وبذل الجهد وتحقيق الإخلاص، وفي ذلك قيل "النية أبلغ من العمل"، وفي الحديث الصحيح عن «أَبِي هُرَيْرَةَ» رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ"، قَالُوا "وَكَيْفَ؟"، قَالَ "كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا"، رواه «أحمد» و«النسائي» و«ابن حبان» وغيرهم وصححه «الألباني».
اللّهم يا عليم يا حليم يا قوي يا عزيزيا ذا المنّ والعطا والعزّ والكبرياء يا من تعنوا له الوجوه
وتخشع له الأصوات وفّقنا لصالح الأعمال وهب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلاّ إليه ولا يعول في الدين إلاّ عليه
واكفنا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمّن سواك إنّك على كلّ شيئ قدير .
و
fh]v,h fhgsk~m hgpskm >>>tYk~ih vwd] H[v ltj,p
